الاثنين، 7 سبتمبر، 2015

Death

الموت.
كلمة لها ما لها من هيبة ورهبة وخوف، ما إن تنطق هذه الكلمة في مجلس حتى تحس بالخشوع والصمت احتراما لهذا الأمر الجلل.. مهما ادعيت أنك "تتفهم" حزن شخص ما على فقده عزيزا، فأنت غالبا لا تملك (أدنى) فكرة عن الموضوع حتى تختبره، تعتقد أنك لن تختبر موت شخص عزيز عليك؟ أنا أيضا كنت أظن ذلك، فمثل هذه الأمور "الدرامية" تحصل لـ"الآخرين" فقط، وأنت لست منهم صحيح؟ للأسف، أريد أن أخبرك بأنك لن تفقد أي شخص عزيز عليك، وأنهم سيكملون معك المسيرة حتى .... نعم ؟ أكمل الجملة ! حتى الموت. فالموت حق، صدقني، أريد أن أخبرك بأنني أيضا كنت أعتقد أن المقربين إلي "معصومون" من هذا الأمر، لكنه لا يستثني أحدا.

هل تعلم ما هو أسوء شيء في موت شخص قريب منك؟ أنت تفقد كل يوم جزءا منه، كل يوم تنسى كلمة قالها، كل يوم تنسى موقفا، تنسى طريقته في المصافحة، والصوت الذي يصدره عند شرب الماء، وماهي أول عبارة يجيب بها على الهاتف، وما هي ردة فعله عندما يفائجه أحدهم، وكيف يمسك القلم ويحكّ به رأسه إذا صادف معادلة رياضية مستعصية..في كل لحظة وهو بعيد عنك تنسى شيئا بسيطا من هذا كله، وأنت تعلم أنه سيأتي يوم لا يبقى من ذكرياتك مع هذا الشخص سوى موقف مضحك أو موقفان..وهذا محزن بشكل فضيع، تحاول أن تمنعه بشتى الطرق لكن هذا يوفق قدرتك، ليس بيدك، إنه يندثر.. ذاكرتك تخونك، يبدأ عقلك في ملئ الفراغ الذي نتج عن فراقك له بأشخاص آخرين، بنشاطات أخرى، تحاول أن تمنع ذلك لكنه يفوقك، فالطبيعة تأبى الفراغ.

الحياة وقِحة، تخيّل أن رغم هذا المصاب الجلل، "الحياة تستمر"، يقولها الناس على سبيل المواساة، ولا أدري حقيقة أين المواساة هنا؟  لازال عليك أن تستيقظ باكرا وتذهب إلى عملك! لازال هنالك فواتير يجب أن تسدّد، ودروس ينبغي أن تُراجع، وقمامة يجب أن تُرمى..! ورغم الألم الذي يعتصرك، ينبغي أن تبتسم في وجه البائع، ومازال يعاملك بفضاضة..
ماذا تعني بقولك أن "الحياة تستمر" ؟ .. هكذا ببساطة؟ يعني تخيل أن شخصا ما فقد كل المقربين إليه في حادث ما...ثم تخبره بـأن "الحياة تستمر" .. هل هذا شيء جيّد ، أكيد أن الحياة تستمر، لكنها ستكون حياة بنت ستين كلب!

الثلاثاء، 25 أغسطس، 2015

راديكالي جدا

خلال كلمة نائب البرلمان الأمريكي "جورج ييمان" في إطار مناقشة تعديل للدستور ينص على تجريم الرقّ/تحرير العبيد الذي كان يسعى الرئيس الأمريكي آنذاك "أبراهام لينكون" لتمريره قال النائب: "رغم أنني أتقزز من العبودية، علينا أن نضع في الحسبان تبعات تحرير 4 ملايين زنجي في لحظة واحدة، ما الذي سيتبع ذلك ؟ حقهم في الإنتخاب!؟ ثم ماذا بعد ذلك ؟ حق المرأة في الإنتخاب!؟". لاتتعجب، فنحن نتحدث عن أمريكا سنة 1865. اليوم يوشك الأمريكيون على اختيار رئيسهم القادم، ومن بين أقوى المترشحين إن لم يكن أقواهم على الإطلاق، إمرأة. كيف ينظر الأمريكيون اليوم إلى مسألة العبيد أو حق المرأة في الإنتخاب؟ طبعا يرونها على أنها مسألة واضحة لا تستدعي حتى النقاش، فلا يفتح أحد النقاش حولها إلا وصف بالرجعي المتخلف. لم يكن الوضع دائما هكذا، فالرئيس "لينكون" كان يوصف بالمجنون عندما أراد تمرير تعديل الدستور، بل يمكن القول أن الموضوع الرئيسي الذي دارت حوله الحرب الأهلية الأمريكية كان حرية العبيد، ولم يجمع الأغلبية اللازمة في الكونغرس لتمرير التعديل إلا بالكثير من الصراعات والتجاذبات السياسية، بل إن التعديل كاد أن لا يمر حيث كان يحتاج المعارضون لمجرّد صوتيْن اثنين حتى يعتبر التعديل باطلا. قبل أن تتهمني بأنني مدّع للثقافة إعلم راعك الله أن هذه المعلومات استقيتها من فيلم Lincoln 2012 وتأكدت منها عند العم google.. أي أنني لا أدعي أنني مطلع على تاريخ تعديلات القانون الأمريكي ولا التاريخ الأمريكي ولا كتابات الآباء المؤسسين الموجودة صورهم على الدولارات الأمريكية بأي حال من الأحوال، لقد أردت فقط أن أستخلص من التاريخ بعض العبر، وأحاول أن أخرج منه بشيء.

في الجزائر وقت الإستعمار، كان هنالك شخص مجنون، ربما بنفس قدر جنون "ابراهام لينكون" الأمريكي وربما أكثر، ففي الوقت الذي كانت تطالب فيه كل القوى السياسية الجزائرية بتحسين شروط الإستعمار وأقصى طموحهم هو المساواة في الحقوق بين الأهالي أو "المسلمين الفرنسيين" (هكذا كان يسمى الجزائريون) والفرنسيين الأوروبيين، كان ذاك الرجل ذو اللحية الطويلة واللباس اللافت يطالب بالإستقلال التام للشعب الجزائري وشعوب شمال إفريقيا عامة، هذا الرجل هو مصالي الحاج. كان يعتبر في وقته راديكاليا متطرفا مجنونا، يطالب بالمستحيل، وكان الجميع يحثونه على التريث والتراجع، وأن التوازنات العالمية لا تسمح، وأن فرنسا لن تقبل أبدا بهذه المطالب، وأن آراءه تزيد الأمور تعقيدا بدل أن تمدّ "جسور الحوار" بين الأهالي/المسلمين وبين المستعمر، فرنسا. في الوقت الذي كان المجنون "مصالي الحاج" ينادي بهذه الآراء المتطرفة التي كانت هي النواة الأولى للثورة التحريرية فيما بعد كانت شخصية كبيرة مثل "فرحات عباس" تقول بكل صراحة، وفي تطابق تام مع السردية الإستعمارية،  أن الأمة الجزائرية المتخيلة غير موجودة لا في الواقع ولا في صفحات التاريخ. في ذلك الوقت لم يكن رأي "فرحات عباس" شاذا أو غريبا على الساحة بل كان هو السائد في الأوساط الثقافية والسياسية (الجزائرية!) على اختلاف توجهاتها حتى الإسلامية منها (جمعية العلماء)، وكان مطلب مثل مطلب المساواة أمرا واقعيا لا مفرّ منه، وفي المقابل كانت آراء "مصالي الحاج" مغضوبا عليها من طرف السلطات الإستعمارية ومن طرف الكثير من المثقفين الجزائريين، ماعدا قلّة قليلة من المجانين الذين سيفجرون الثورة فيما بعد، لكن المجانين دائما هم من يرفعون سقف المطالب، وسقف الأمل.

حسنا، بعد أن أبهرتك بمعلوماتي عن الحرب الأهلية الأمريكية ونثرت في المقال أسماء لشخصيات تاريخية هنا وهناك تنمّ عن ثقافة عميقة واطلاع موسوعي، ما الفكرة التي أريد الوصول إليها؟
 في كثير من محطات التاريخ، وفي معارك أخلاقية كبرى تكون الحقيقة كالشمس ظاهرة ساطعة في كبد السماء، رغم ذلك لا يراها الجميع، بل ينكرها الكثير من أصحاب السرائر النقية، ولولا تلك القلّة المجنونة، لولا تلك القلّة التي اقتدت بالصبي الذي صرخ أن الإمبراطور عاري الجسد ، لما رأيناها. الجميع اليوم يؤمن طبعا أن من البديهي تجريم الرقّ، وأن انتخاب المرأة حق ليس قابلا للنقاش أصلا، وأن حرية البلدان المستعمرة أمر مشروع، لكن ذلك لم يكن كذلك في تلك الأوقات، لذلك نحتاج الفئة الراديكالية المجنونة، حتى تذكّر الأباطرة أنهم عاروا الجسد مهما صفق لهم الحواشي والخدم. في نهاية المطاف، وعندما ظهرت الشمس وانقشع السحاب، صَوّت "جورج ييمان" (الرجل المذكور في أول المقال إذا كنت نسيت) لصالح تعديل "لينكون" لتحرير العبيد مُخالفا أوامر حزبه، وانضمّ فرحات عباس إلى جبهة التحرير الوطني الجزائرية، واعترف الجميع أن الأمبراطور كان عاريا.

السؤال الذي يؤرقني هذه الأيام، هل ستلعننا الأجيال القادمة كما نلعن اليوم من وقفوا ضد حرية السود في أمريكا وضد حرية الشعب في الجزائر، هل سيتهموننا بأننا كنا عميانا رغم أن الشمس اليوم ساطعة؟ هل سيشتموننا سرا وعلانية لأننا صفّقنا للإمبراطور الأبكم المقعد، وهل ستأتي اللحظة التي تظهر فيها الحقيقة جليّة فتُدخِل جميع أصحاب السرائر النقية في خندقها مثلما حصل لجورج ييمان وفرحات عباس؟ غالبا لن أكون حيّا لأشهد تلك الأيام، لذلك لا داعي للقلق أكثر.