الأربعاء، 22 يونيو، 2011

خلف القضبان 3

الجزء الأول ،  الجزء الثاني
...
في السجن إلتقيت بمجموعة من الطيّبين الشرفاء الذين يُقسِمون بحياة أولادهم جميعا أنّهم -طبعا- مظلومون ! أما أنا فلم أكن متأكدا إن كان وجودي في السجن ظلما ، لذلك كنت أسكت
نعود إلى مجموعة السجناء، بعضهم مغفّل ، بعضهم عبقري ، بعضهم متديّن ، بعضهم ملحد ، بعضهم مثقّف يقرأ في اليوم الكثير من الكتب ، و بعضهم كل همّمه هو المعرفة ما سيتناوله اليوم في مطعم السجن ؟
في البداية كوّنت صداقة مع أحدهم كان إسمه خالد ، لم أفهم حقيقة تماما أسلوب حياته في السجن ، كان يقول لي أشياء غريبة و أحيانا تافهة لكن كانت قدرته على الإقناع عجيبة ، من أفكاره مثلا أنه يقول أنّ علينا أن نخالف جميع أفراد السجن في توقيت نومهم ، إذا كانوا ينامون في الليل و يستيقظون في النهار فعلينا أن أن نستيقظ في الليل و ننام في النهار ، إذا كان المساجين يكرهون الحرّاس و إدارة السجن فنحن سنحبّهم ونتقرّب منهم ، إذا كان السجناء يتناولون الطعام على الطاولات فسنتناوله وحدنا على الأرض ! و عندما تساءلت عن مغزى كل هذه الأمور أجابني : نحن لسنا مثلهم ، نحن مظلومون! ،

في الحقيقة لم يرقني تفكيره ،  حكى لي بعض السجناء أنّه (خالد) أخذ قرضا كبيرا من أحد البنوك و عندما لم يستطيع سداد الدين وجد نفسه في السجن منذ ذلك الحين و هو يتصرّف بغرابة ، فأحيانا تجده يسهر و يستمتع مع مجموعة من شاربي الخمر ، و أحيانا تجده يفتي و يتناقش مع مجموعة من المتديّنيين ، و أحيانا أخرى تجدهم مع مجموعة من الفاشلين يحاول وضع خطّة للهروب من السّجن !

 بحثت عن سجناء طيبين آخرين لأختلط بهم لعلّي أجد فيهم شيئا من ذاتي أو أفهم و لو قليلا مصيري و تاريخي و مستقبلي  أو لعل ذاكرتي تعود لأتذكر ما قبل هذا السجن ،،
حتى التقيت بسليم ، سليم شاب متّزن عقليّا رغم أنّه لا يبدو كذلك ، في الحقيقة إذا رأيته لأوّل وهلة سيبدو لك مجنونا ، كنت أتجاذب معه أطراف الحديث كلما خرجنا إلى ساحة السجن ، كنّا نتحّدث عن الظواهر الكونية و الطبيعيّة و عن الفلك و الفيزياء ، عن الفلسفة الإغريقيةّ و التاريخ و الأدب العالميّ ، في السياسة و الدين ، و عندما سألته عن معتقداته الدينية  صارحني بأنّه ملحد لا يؤمن بوجود  الله ،،، هنا عرفت شيئا عن ذاتي ، أنا شخص مؤمن بوجود الله و لست مثله و لا يمكن أن أكون مثله ،،، لقد كان سليم يطرح العديد من التساؤلات و يؤمن أنّ هذا الكون يحوي تناقضات أكثر من أن يكون كونا بالغ الدقّة و التنظيم ،،،
بدأ يحكي لي عن حياته و طفولته ،

أخبرني كيف كانت له أسرة صغيرة سعيدة متكوّنة من أب و أمّ و أخت كبرى و عمّه الميكانيكي ، كان يعيش معهم حياة جميلة، كان الطفل المدلل لوالديه ، إلى أن .. !  قاطعته الدنيا عندما بلغ السابعة من عمره ، حادث مرور يقضي على والديه و أخته دفعة واحدة و يرسلهم جميعا إلى عالم الأموات ، أصيب بأزمات نفسية عديدة ، الإكتئاب ، الخوف ، الكوابيس ،،، عاش مع عمّه حتّى بلغ الثالثة عشر ، في البداية واجه صعوبات للتأقلم مع الوضع الجديد بدون والدين و أخت ، و ما إن بدأ بالتأقلم مع الحياة الجديدة حتى ،،،، نعم حادث آخر يودي بحياة عمّه ،
هنا و هو في سن الثالثة عشر فقد آخر أمل بأن هنالك عدلا في هذه الدنيا ، قال سليم : بعد أن مات عمّي ، بحثت عن بقايا عائلتي لعلي أجد لي خالا أو عمّة استقرّ عندهما بدون جدوى ، الجوع ، العطش ، العمل الشاق ، الألم ، البرد ، كلها أمور يوميّة تعوّدت عليها ، كنت في النهار أعمل في المناجم أو في البناء و الأعمال الشاقة و سنّي صغير لا يحتمل ذلك و في الليل أعاني من آلام الظهر مبرحة و أتأمّل النجوم تحت خيمة من القماش نصبتها ليس بعيدا عن مركز للشرطة لعلّي أشعر ببعض الأمان ، كنت في الليل أتأمّل النجوم و أفكّر و أتساءل ، هل الله موجود ؟ لماذا تركني في هذه الحال المزرية ؟ و إذا كان من أسمائه "العدل" ، أمن العدل أن أعيش هذه الحياة المزرية الشاقة و غيري في مثل عمري يستمتع بالدراسة وسط أهله و آقاربه و آخر همّمه لقمة عيشه ؟
هنا و في تلك الخيمة قتلت آخر قطرة من الإيمان في داخلي ،،، ثم ما زاد الطين بلّة ، مجموعة من اللصوص الغاضبين بسبب أن زعيم عصابتهم قد زجّ به في السجن جعلهم يحرقون و ينهبون قسم الشرطة التي كنت ناصبا خيمتي أمامها ، لم أكترث للأمر ، لكن بعد أيّام بدأت السلطات حملة إعتقالات واسعة ، و أوّل من بدؤوا في إعتقاله : عجوز كانت له طاولة يبيع فيها العلكة و السجائر أمام مركز الشرطة ، و أنا ،، و ها أنا ذا في السجن ، هل تذكر ذاك العجوز الذي وجدوه ميتا في زنزانته الأسبوع الماضي ؟ نعم ، إنه هو بالذات ، بائع العلكة و السجائر قد انتحر، و من يدري قد التحق به أنا هذه الإيام ، طبعا لن أنتحر اليوم فقد أخبروني أن غداء اليوم دسم و لذيذ (كسكس بالدّجاج) :)

لإحداث شيئ من التوازن في عقلي ، كنت أجلس أحيانا مع شلّة من المتديّنين لعلّي أزيد رصيدي الإيمانيّ ، فالإيمان بأنّ هنالك خالقا و مدبّرا لهذا الكون كان آخر أوراقي للخروج من هذا السجن ،،
جلست إلى جانب أحدهم ، كان يدعى ماجد ،،، في البداية تحدثنا في أمور عامة لنكتشف و نفهم بعضنا البعض  ، ثم سألته صراحة:
ما قصّتك ؟

قد يتبع ...


هناك تعليقان (2):

  1. دوختنا اخي عبدو ، انتظر بقيت القصة
    لا تطول علينا ، سلام

    ردحذف
  2. ماذا تقصد بقد يتبع...
    ننتظرك

    ردحذف